ابن حزم

82

رسائل ابن حزم الأندلسي

ما أراد اللّه تعالى منا ، وما به أخبر عنا « 1 » ، وما به يكون المخلص من هول مكاننا الكدر المظلم المشوب بالآفات المملوء من أنواع المتالف والمهالك ، والمحفوف بأصناف البلايا والمعاطب ، وهو المعرفة بالشريعة والإعلان بها والعمل بموجبها ، فإذ الأمر كذلك ، فلا سبيل إلى صحة المعرفة بها واستحقاق حقيقتها إلا بمعرفة أحكام اللّه عز وجل وعهوده إلينا في كتابه المنزل ، وبمعرفة ما وصّانا به محمد عليه السلام وبلّغه إلينا ، وما أجمع علماء الديانة عليه ، وما اختلفوا فيه ، ولا يوصل إلى هذا إلا بمعرفة الناقلين لتلك الوصايا وأزمانهم وأسمائهم وأنسابهم للفرق بين ما اتفقت فيه الأسماء ، وبمعرفة المقبولين من غيرهم ومعرفة من لقوا فحدّثوا عنه ممن لم يلقوه فبلغهم عنه ، وبمعرفة القراءات المشهورة « 2 » ليوقف بذلك على ما تتفق فيه المعاني مما تختلف فيحدث باختلافها حكم ما ، وكل هذا لا يتم إلا بمعرفة مستعمل اللغة ومواقع الإعراب الذي تختلف المعاني باختلاف أمثلته وأشكاله ، ولا بدّ في اللغة والإعراب من التعلق بطرف من علم الشعر ، ولا بد من المعرفة بالنسب بما يدري المرء من تجوز الإمامة ممن لا تجوز فيهم ، ومن هم الأنصار الذين [ أمرنا ] « 3 » بالإحسان إلى محسنهم والتجاوز عن مسيئهم ، ومن هم أولو القربى الذين حرمت عليهم الصدقة ، ولا بد أن يعرف من الحساب ما يعرف به القبلة والزوال إلى أوقات الصلوات ، ولا يوقف على حقيقة ذلك إلا بمعرفة الهيئة ، ولا يعرف حقيقة البرهان في ذلك إلا من وقف على حدود الكلام ، ولا بد أن يعرف من الحساب أيضا كيف قسمة المواريث والغنائم ، فإن تحقيق ذلك فرض لا بد منه . ولا بد في الشريعة من معرفة العيوب التي تجبّ [ التكليف كعاهة الجنون المتملكة ، وقوام الآفات والأدواء ، فلا بدّ من ] « 4 » معرفة العلل ومداواتها وهو علم الطب . والدعاء إلى اللّه عزّ وجل واجب ، ولا سبيل إليه إلا بالخطّ والبلاغة ، ومعرفة ما تستجلب به القلوب من حسن اللفظ وبيان المعنى ، ولا يكون هذا إلا بالمعرفة الشرعية

--> ( 1 ) ص : اخترعنا . ( 2 ) ص : المشورة . ( 3 ) زيادة لازمة . ( 4 ) ما بين معقفين مكتوب في هامش النسخة وقد طمس معظمه .